الأخبار من مصادر مختلفه|الوطن العربي الاخبارية

إخلاص فرنسيس تكتب: مجموعة قصصية على مرمى قبلة دمع الغياب (قصة)

23 Mar
مصدر الخبر المصري اليوم
إخلاص فرنسيس تكتب: مجموعة قصصية على مرمى قبلة دمع الغياب (قصة)


يقولون: إن هناك لحظات تختصر عمراً، كانت تجلس على مائدة فى ركن المطعم المترامى على ضفاف البحر الأحمر، تتناول طعام العشاء عندما سمعت صوتاً ينده من بين دمع الغياب، يأتيها من البعيد، يحمل معه كل أسرار الفراعنة الذين سكنوا هذه الجبال، صوت شجى يغنى ويعزف، أوتاره تئن تحت لمسات أنامله، يخبر بأنفاسه قصة زمان ومكان، وقصة حضور، وذكريات لم تستطع أن تمسك الذات. تحركت قدماها دون إرادتها إلى مكان الصوت، تريد أن ترى صاحبه، ومن بين شجر النخيل رأت طيف رجل فى الثلاثين من عمره، لونت الشمس جبهته بنار أشواقها، فخلعت عليه سمرة جذابة.

كان يجلس متأبطاً العود الذى بدا معه وحدة متكاملة، أحدهما يكمل الآخر، ومن بين شفتيه المكتنزتين تخرج الألحان مصحوبة بشغف الشعق. لم تستطع أن تقاوم هذا السحر الذى شدها، جلست فى أقرب كرسى، وهى تغيب مع حركة أنامله، وتتناحر الصور المتلاحقة فى صدرها، وكأنها أمام شريط سينمائى يحكى قصة حياتها من زمن حيث التقت ذلك الشاب الأسمر ذات مساء، وفى أحضانه أحست بالأمان، ويعود، ويردد: إحنا الزمان، إحنا المكان، وقالت لى حبك بالوجود، آهة خرقت جدار ذلك المساء. لأول مرة تسمع هذه الكلمات التى تصف ما يجول ويدور فى قلبها، طحنت الذكريات حبه بالوجود عود.. عود، صرخت متى تعود، سأقسم معك الفرح والحياة. تدحرجت الدمعة، تلتها أخرى، وهى فى حالة لا وعى، أشاح بعينيه ناحيتها، وكأنه عاد إلى كوكب الأرض من كوكب آخر، أحس برطوبة الدمع المنساب على خدها الغض، ترطب جفاف أيام الانتظار والحرمان التى انتظرها، هذه أيام عددها سنوات. أذهله ما رأى، ولكن أنى الوصول إليها وهى محاطة بشلة من البشر؟ انتهت فترة العود، وانسحب فى هدوء مخلفاً وراءه شبه إنسان.

عادت إلى الحياة على وقع أنغام عوده. اختفى بين الحشود يحمل عوده على ظهره، وحبه فى صدره، وخيال امرأة حبيبة فى عينيه وبين أنامله، أما هى فجلست تحت وطأة حقد القدر وغدره. علت الموسيقى مرة أخرى، قامت وراحت تتلوى كغصن بان ضربه الريح، فالتوى جسد أنهكه الحنين، راح ينحنى تحت وطأة كل نسمة، تدور وتدور فى حلقات مفرغة، الكل يعتقد أنها ترقص فرحاً وغبطة، أما هى فكانت تعلم أن خنجر الألم الذى يشطر أجزاءها، هو الذى دفعها إلى حلبة الرقص، دفعها كى تتوسط الساحة، حاولت، وتحاول إخفاءه عن البشر، ونجح ذلك الوجع، أما هو فكان يرقبها من وراء الزجاج البارد، لا يقوى على الاقتراب منها، يرى فيها عروس البحر التى طالما حلم بها، وسمع عنها فى حكايات الصيادين على الشواطئ الممتدة. انتهت الموسيقى، رأته، مشت بخطى وئيدة إليه، لن تعيش بسجن البشر، فيما بعد ارتمت فى أحضانه، وقبلت ثغره مراراً، وكان وحده القمر يشهد أجمل قصة عشق ولدت فى معابد البحر.

التعليقات