الأخبار من مصادر مختلفه|الوطن العربي الاخبارية

طرف ورقتين من قصة متخيلة.. (قصة)

23 Mar
مصدر الخبر المصري اليوم
طرف ورقتين من قصة متخيلة.. (قصة)


بمجرد وصولها إلى البيت أخذت مديرة المنزل حقائبها لتباشر عملها، سارعت هى لتطمئن على قططها وأشجارها الصغيرة التى تركتها لأكثر من أسبوع دون أن تحكى معها أو ترعاها، سألتها السيدة الخمسينية ما بكِ؟ لملمت شعرها إلى الخلف وقالت لا شىء.

دقائق وسمعت صوت المرأة يعلو، يدعوها لتأتى إلى غرفتها لتشاهد ما اكتشفته، فكلما فتحت حقيبة من الثلاث التى كانت معها وجدتها فارغة تماما، قالت: ليست هذه حقائبك، أحد ما قد استبدلها بلا شك. وقفت صامتة تماما تحدق أمامها. راحت السيدة تتساءل: أين ملابسك وكتبك، أين أدوات زينتك وعطورك وحاسوبك، أين أحذيتك وأوراقك؟ حقائبك هى نفسها لكنها فارغة.

أمام عينيها يشرئب الفراغ برقبته يتطلع إليها، يواجهها اللاشىء، لمحت من بعيد فقط فى جيب إحدى الحقائب الكبيرة طرف ورقتين، هما بلا شك القصة التى كتبتها منذ يومين، تلك الرحلة التى طلبَ منها أن تتخيل أنهما قاما بها معا.

طلبت المرأة منها أن تصحبها إلى المطار، أن تعود لتعرف ماذا حدث، ثم شرعت تقفل الحقائب. أمرتها أن تصمت، وأن تغادر الغرفة دون كلمة واحدة، تهاوت على المقعد الذى بجوارها وتعجبت.

فى تجويف الحقيبة الكبيرة لمحت باقة الورد البديعة التى وجدت السائق يقف بها فى صالة الوصول مدون تحتها اسمها، طلب منها أوراقها لينهيها سريعا وليأتى بحقائبها، انتظرته عشر دقائق وهى تعيد قراءة البطاقة الملصقة على الباقة مرات: «إليكِ، صرت أعشق هذا الوجود وأتسامح معه منذ أن رأيتك، لا أعرف كيف تفرعت الأشجار بيننا سريعا على هذا النحو». سارت خلف الرجل بخطوة وهى تنظر إلى الورد دون أن تحدد شيئا.

فتح السائق باب السيارة فوجدته بالداخل ينتظرها، شعرت كأن العالم قد أشرقت شموسه دفعة واحدة، جلست بجواره مندهشة، جذبها إلى حضنه فحلقت فى غيمة عطر مباغت، منذ أن عرفته تعايشها بهجة غامضة وحالمة، نظر إلى عينيها وقال: ما أجمل تلك العينين، شهور مضت وأنا أنتظر الغرق فى دفئهما الساحر، اعذرينى لم أستطع ملاقاتك لتمزق حاد ألمَّ بساقى. تعاود النظر إلى الحقيبة أمامها فتجدها فارغة تماما. لا باقة ورد، ولا كلمات فى بطاقة، لم ينتظرها، ولم يغمرها عطره.

مدت يدها تبحث فى الحقيبة الأخرى، ابتلت ملابسها من رذاذ موج المحيط الصاخب الذى دعاها للمشى على شاطئه، حدثته بأمانيها أن يكونا معا فوق الحافة العارية المفتوحة بين السماء والمحيط، بينهما والرمال والصخور، فى النقطة التى ينفتح فيها نسيج موجودات الكون نحو فيض متسع ودافئ، تمنت لو سكنا معا فى النور المطلق. طلب منها أن تقص عليه رحلة سنواتها التى مضت، رغبت هى أن تصمت لتستمع إليه.

توالت أمواج المحيط ممزقة بين الأمنيات بسعادات كبيرة فى مواجهة فراغ تام. تلاش حاد أصاب الكلمات كما الأحلام والوعود، انسحبت مع جَزر مياه المحيط المباغت ثم تركت نفسها تغوص فى أعماقه، تساقطت أعضاؤها واحداً تلو الآخر، قدماها فذراعاها، رأسها وجذعها، تلاشت فى الفراغ الذى بلا نهاية لكنها لم تعد تقاوم، لماذا استسلمت دون أن تفتح أجفانها للحظة، دون أن تمسك بذاتها!؟

أغلقت الثالثة على تجويفها الفارغ وذهبت نحو النافذة، شرعت بطاقات صغيرة تتطاير من الحقيبة فى اتجاهها، من كل واحدة تنطلق رصاصة، تعجبت، كانت قد ألقمتهم كبسولات مخدرة منذ أسابيع، يتطايرن من الحقيبة المغلقة على فراغها ليرتطمن بوجهها.

صمت تام يشمل كيانها دون أدنى مقاومة، فقط ينزعها الجميع من المقاعد، من الصور، من القاعات، صارت بلا ملامح، فراغ حاد يمحو ما انطبع فوق أيامها الماضية وسنواتها جميعها..

لم يكن هو، ولا اشتراطات الجريدة التى تكتب فيها، لم تكتب القصة تلك التى دعاها لكتابتها، لم تكن الجهة الأمنية التى تمحو آثار بصماتها فوق الأماكن والأشياء، ولا المحيط، لم تكن أوراق كتبها التى لم تطبعها، فقط الفراغ الذى شغل حقائبها حط على عينيها فابيضت المشاهد كلها فى ومضة ضوء بعيدة، ومضة واسعة.

التعليقات